|
المقالات
|
|
كتـب المقال الصادق الرزيقي
|
|
الأحد, 22 يناير 2012 10:44 |
|
من السابق لأوانه الحديث بدقة عن مدى تأثير قرار دولة جنوب السودان بوقف إنتاج نفطها، على أوضاعها الداخلية واقتصادها المعتمد فقط في موارده على البترول المنتج من حقول تقع أغلبها في شمال الدولة الجديدة، لكن يمكن تقدير خطورة المأزق الذي وضعت فيه حكومة الجنوب نفسها وهي تتخذ قراراً مثل هذا الغرض منه الكيد للسودان والرغبة الجامحة في معاداته، برفض دفع رسوم عبور النفط الجنوبي واستخدام البنيات التحتية النفطية السودانية وموانئ التصدير، بشتى الذرائع في بادئ الأمر، ثم اتخاذ المطالبة المشروعة بهذه الحقوق سبباً في وقف إنتاج النفط وتصديره، واتهام السودان كذباً بسرقة نفط الجنوب!! القضية برمتها محاولة للهروب للأمام من حكومة الجنوب الفاشلة في توفير الأمن والاستقرار والظهور بمظهر المسؤولية الوطنية في دولة لا تزال في مهدها وتعيش بأسنانها اللبنيَّة وتحاول الكيد لغيرها. وقد عمدت حكومة سلفا كير إلى إلهاء شعب جنوب السودان بهذه القضية للتغطية على الوضع الداخلي المخيف، ففي ولاية جونقلي وحدها تحصد الحرب القبليَّة بين المورلي واللاونوير والمورلي والدينكا آلاف القتلى وأضعاف ذلك من الجرحى والمفقودين، وتكاد مناطق أخرى في الجنوب تشتعل وتسيل دماً، مع تضاؤل الأمل في إنجاز شيء ملموس على الأرض في مجال التنمية والخدمات، وضعف العون الخارجي الذي راهنت عليه حكومة الجنوب، ولم يأتِ حتى الآن ما يسد الرمق ويقيل العثرة!! والمتضرر من هذا القرار هو دولة الجنوب نفسها التي لن تجد في حلفائها بالمجتمع الدولي من يوفر لها شهرياً ما يوازي عائداتها من النفط ويدعم اقتصاداً غير موجود أصلاً من دون البترول!!، وتحتاج حكومة الجنوب كل شهر حسب ما هو متاح من معلومات لمبلغ قد يصل لمئات الملايين من الدولارات لتغطية احتياجاتها من الوقود والسلع الضرورية مثل الدقيق والسكر والزيوت والأدوية والذرة، خاصة أن وارداتها من جوارها الإفريقي يوغندا وكينيا باهظة الكلفة وعالية السعر، وتستنزف كل ما يصلها من عائد النفط، بالإضافة للميزانية التسييرية لدولة في مرحلة البناء. وغني عن القول إن ما يقارب «60%» من عائدات النفط قبل انفصال الجنوب كانت تذهب لتسليح الجيش الشعبي وتغطية رواتب جنوده، فكيف صار الحال بعد تكوين الدولة التي صيغت محاور ومحددات أمنها القومي واحتياجاته بما هو أعلى وأكثر أولوية مما كان يعتقد، وأصبح جيش الدولة الوليدة هو الأكثر استنزافاً للموارد بجانب الوضع الأمني الضاغط الذي يتطلب توفر التمويل اللازم لمقابلة مطلوباته؟! وتعد دولة الجنوب من أفقر دولة العالم حسب التصنيف الدولي، لكن حكومتها التي تسيطر عليها الحركة الشعبية التي تعيش أوهاماً آيديولوجية ذابلة، تحاول القفز فوق الحقائق ولعب السياسة عن طريق إيهام شعبها والعالم من حولها أن عدوها السودان في شمالها يتجنَّى عليها، ويترصدها ويصادر نفطها ويسرقه، ظناً من هذه الحكومة البائسة في جوبا أن ذلك سيوفر لها ظهيرها أو يخترع لها ثدياً ترضع منه. فالخيارات الآن أمام دولة الجنوب ضئيلة للغاية، فإما أن تجد من يشتري منها نفطها في باطن الأرض ويعطيها مقابله حتى يتسنى لها خلال فترة تمتد لسنتين فأكثر بناء خط أنابيب لتصدير نفطها عن طريق كينيا أو جيبوتي أو تنزانيا، أو ترضخ وتذعن لشروط السودان وتدفع ما عليها من متأخرات، وتتفق على صيغة مرضية للطرفين تسمح بمرور وعبور النفط عبر السودان ومنشآته النفطية. ولا يوجد خيار آخر لدولة الجنوب، فإذا كان موقفها بإغلاق آبار النفط ووقف تصديره موقفاً تكتيكياً، فإنه سيكون ذا كلفة عالية سياسياً وتفاوضياً في حال التراجع عنه، فكل شيء صعب وغالٍ بالنسبة لدولة بلا خبرة وحكومة بلا منهج وبلا هدف.
Quote this article on your site
To create link towards this article on your website, copy and paste the text below in your page.Preview : |